السيد عبد الله شبر

263

الأخلاق

منه بنفسه ، ولهذا جعل معرفة نفسه مفتاحا لمعرفة ربه ، ووجود كل أحد فرع لوجود ربه ، فمحبة نفسه ترجع إلى محبة ربه وان لم يشعر المحب به . وأما محبة الغير لحسنه وجماله أو تقربه من اللّه وكماله فذلك لأن الجمال محبوب لذاته ، سواء كان ذلك الجمال ظاهريا صوريا أو باطنا معنويا ، وكذا الكمال ، واللّه تعالى هو الجميل لذاته والكامل بذاته ، وكل مليح حسنه من جماله ، وكل كامل فكماله فرع كماله ، فما أحب أحد غير خالقه ولكنه احتجب عنه تحت وجوه الأحباب واستار الأسباب . وكذا الكلام في محبة الغير للاحسان ، فان الإحسان أيضا محبوب لذاته ، سواء كان متعديا إلى المحب أم لا ، ولا إحسان الا من اللّه ولا محسن سوى اللّه جل شأنه ، فإنه خالق الإحسان وذويه وجاعل أسبابه ودواعيه ، وكل محسن فهو حسنة من حسنات قدرته وحسن فعاله ، وقطرة من بحار كماله وأفضاله . وأما محبة الغير المجانسة فذلك لأن الجنس يميل إلى الجنس ، سواء كانت المجانسة لمعنى ظاهر كما أن الصبي يميل إلى الصبي لصباه ، أو لمعنى خفي كما يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال ولا طمع في جاه أو مال ، فان الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، وهذه المحبة فرع لمحبة النفس ، فترجع إلى محبة اللّه كما عرفت . فعلى كل وجه ما متعلق المحبة الا اللّه ، ألا انه لا يعرف ذلك الا أولياؤه وأحباؤه ، كما أشار إليه سيد الشهداء عليه السلام في دعاء عرفة بقوله : وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلتجئوا إلى غيرك ، فسبحان من احتجب عن أبصار العميان غيرة على جماله وجلاله ان يطلع عليه الا من سبقت له منه الحسني الذين هم عن نور الحجاب مبعدون ، وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون ، وفي مسارح المحسوسات وشهوات البهائم